أبي منصور الماتريدي

391

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 58 إلى 60 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) وقوله - عزّ وجل - : وَمِنْهُمْ يعني : المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ اختلف فيه : قال بعضهم : يَلْمِزُكَ يزورك لمكان الصدقات ؛ طمعا فيها ؛ لتعطيهم الصدقات ، و يَلْمِزُكَ ، أي : يزورك ؛ ليسألك من الصدقات ، أي : إنما يزورونك لمكان الصدقات لتعطيهم ، لا يزورونك ولا يأتونك لمكان الرسالة ، أو رغبة في الدين ، ولكن لمكان الصدقات ، فإن أعطوا منها رضوا عنك ويعظمونك ، وإن لم تعطهم إذا هم يسخطون ؛ لأن إتيانهم رسول الله وزيارتهم إياه لمكان الصدقة ، فإذا لم يعطوا منها شيئا سخطوا . ومنهم من قال : قوله : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ ، أي : يطعن عليك في الصدقات ، أو في قسمة الصدقات . روي عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقسم قسما له ، فجاءه رجل يقال له : ابن ذي الخويصرة التميمي « 1 » ، فقال : اعدل يا رسول الله ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل أنا ؟ ! » ، فقال عمر - رضي الله عنه - : ائذن لي يا رسول الله فأضرب عنقه ، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دعه ؛ فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتهم ، وصيامه إلى صيامهم » ؛ لحسن صلاتهم وصيامهم ، فيحقر صلاته عند صلاة أولئك ، « يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية » « 2 » ذكر حديثا طويلا ، وهو كأنه

--> ( 1 ) ترجم له ابن الأثير في أسد الغابة وقال : اسمه حرقوص بن زهير السعدي ، ذكره الطبري ، فقال : إن الهرمزان الفارسي ، صاحب خوزستان ، كفر ومنع ما قبله ، واستعان بالأكراد ، فكثف جمعه ، فكتب سلمى ومن معه بذلك إلى عتبة بن غزوان ، فكتب عتبة إلى عمر بن الخطاب ، فكتب إليه عمر يأمره بقصده ، وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي ، وكانت له صحبة من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وأمره على القتال وعلى ما غلب عليه ، فاقتتل المسلمون والهرمزان ، فانهزم الهرمزان ، وفتح حرقوص سوق الأهواز ونزل بها ، وله أثر كبير في قتال الهرمزان ، وبقي حرقوص إلى أيام علي ، وشهد معه صفين ، ثم صار من الخوارج ، ومن أشدهم على علي بن أبي طالب ، وكان مع الخوارج لما قاتلهم علي ، فقتل يومئذ سنة سبع وثلاثين . ينظر : أسد الغابة ت ( 1127 ) ، والإصابة ت ( 1666 ) ، وذكره الحافظ في الفتح ( 14 / 298 ) باسم : عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 10 / 567 ) كتاب الأدب باب قول الرجل : ويلك ( 6613 ) ، ومسلم ( 2 / 744 - 745 ) كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم ( 148 / 1064 ) .